الشنقيطي
250
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
الذلول فعول بمعنى مفعول ، وهو مبالغة في الذل . تقول : دابة ذلول بينة الذل ، وقيل في معنى تذليل الأرض عدة أقوال لا تنافي بينها ، ومجموعها دائر على تمكين الانتفاع منها عن تسهيل الاستقرار عليها وتثبيتها بالجبال ، كقوله تعالى : وَالْجِبالَ أَرْساها ( 32 ) مَتاعاً لَكُمْ وَلِأَنْعامِكُمْ [ النازعات : 32 - 33 ] . ومن إمكان الزرع فيها كقوله : فَأَنْبَتْنا فِيها حَبًّا ( 27 ) وَعِنَباً وَقَضْباً إلى قوله أيضا مَتاعاً لَكُمْ وَلِأَنْعامِكُمْ [ عبس : 27 - 32 ] ، وقد جمع أكثرها في قوله : تعالى : أَ لَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفاتاً ( 25 ) أَحْياءً وَأَمْواتاً ( 26 ) وَجَعَلْنا فِيها رَواسِيَ شامِخاتٍ وَأَسْقَيْناكُمْ ماءً فُراتاً [ المرسلات : 25 - 27 ] . وكنت أسمع الشيخ رحمة اللّه تعالى علينا وعليه يقول في هذه الآية : إنها من تسخير اللّه تعالى للأرض أن جعلها كفاتا للإنسان في حياته بتسهيل معيشته منها وحياته على ظهرها ، فإذا مات كانت له أيضا كفاتا بدفنه فيها . ويقول : لو شاء لجعلها حديدا ونحاسا فلا يستطيع الإنسان أن يحرث فيها ولا يحفر ولا يبني ، وإذا مات لا يجد مدفنا فيها . ومما يشير إلى هذه المعاني كلها قوله تعالى : فَامْشُوا فِي مَناكِبِها وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ لترتبه على ما قبله بالفاء ، أي بسبب تذليلها بتيسير المشي في أرجائها ، وطلب الرزق في أنحائها بالتسبب فيها من زراعة وصناعة وتجارة إلخ . والأمر في قوله تعالى : فَامْشُوا فِي مَناكِبِها وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ للإباحة . ولكن التقديم لهذا الأمر بقوله تعالى : هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فيه امتنان من اللّه تعالى على خلقه مما يشعر أن في هذا الأمر مع الإباحة توجيها وحثا للأمة على السعي والعمل والجد ، والمشي في مناكب الأرض من كل جانب لتسخيرها وتذليلها ، مما يجعل الأمة أحق بها من غيرها . كما قال تعالى : أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ [ الحج : 65 ] . وفي قوله : وَسَخَّرَ لَكُمْ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ [ الجاثية : 13 ] وغير ذلك من الآيات . ومن رأى هذا التسخير اعترف للّه بالفضل والقيام للّه بالحمد ، وتقديم الشكر كما